بمناسبة الكلام المتعب عن الهوية
جلست في التاكسي في هذا الليل القاهري الرطب الملزق. شعرت بالضيق و الاستفزاز. لأن السائق ابن الكلب كان مصرا على أخذ ستة جنيهات من التحرير حتى عين الصيرة. و قد كان التاكسي الوحيد الذي وافق أن يقلني أصلا بعد ربع ساعة وقوف أمام الجامعة الأمريكية يعاملني المارة كفترينة محل، سبب وجودها تسليتهم و تلقي تعليقاتهم اللطيفة بهدوء و ابتسامة. إيه الخرة ده. شعرت بالغضب و الندم ( و الندم من المشاعر التي أحاول تجنبها لأنه غير ذكي، و أنا، عامة، لا أتحمل الغباء). لأني تركت خمسة أسئلة في امتحان تافه يتحدث عن الهوية! و كل هذا بسبب غبائي و غروري( أنا التي تعودت على أن أحصل دائما على الامتياز دون أن افتح كتاب). ياللا اشربي يا شاطرة. لكن ليس هذا سبب ضيفي، ليس هذا سبب الإحساس المقبض، هذا القلق (الخوف؟) العبثي. أفففففففففف. ربما هي فقط هرموتات شريرة أتت قبل موعدها المعروف. يمكن.
نظرت من شباك السيارة المهلكة فرأيت إلى يميني سور مجرى عيون الذي دائما تبهرني جدرانه المتآكلة، لا أدري لماذا. رأيت في كل عين لقطة عادية من الحياة اليومية، كصور في كتاب. حصان تحرر من حمله و وقف في العين يأكل البرسيم و يتفرج على الشارع، كأنه حكيم يعرف سر كوني لا نعرفه نحن، البشر المحكوك عليهم بالتفاهة. و حصان رمادي، كان يوم و ولدته أمه أبيض، يجر عربة ضعيفة منفكة رخيصة، ليست كالعربة الذهبية الطائرة التي ظن في صباه أنه سيجرها، ناقلا الأمراء و الحكماء و الساحرون إلى مؤتمرات هدفها إعلاء اسم الحق و نشر الخير، لا الطوب و الثوم و القمامة. و أرى بائعات ورد تجلسن بباقاتهن الملونة الذابلة، تعد العملات المالية الصغيرة التي ابتلت بندى الورد و أصبحت رائحتها متعفنة بعيدة كل البعد عن عطور الزهور. أخذت نفس عميق. يا رب.
" هو التهاردة إيه من أيام ربنا؟"
"نعم؟"
" النهردة يوم إيه؟"
"الخميس"
" هو في أرافة بكرة؟"
"معرفش" رددت ببرود على السائق العجوز، لم أفهم سؤاله، كنا بنطلع الأرافة مع بعض يعني؟
" أصلهم جايبين ورد. الورد هيعمل إيه يعني، ما خلاص." ابتسمت رغما عني لحكمته البسيطة الكئيبة، و لم أقل شيئا. نظرت ثانية إلى يميني و شعرت بألفة غريبة تجاه نمط حياة الطبقة العاملة التي كنت أشاهدها. شعرت براحة و تعاطف و تواصل أكثر بكثير مما شعرت به منذ قليل في أحد فصول الجامعة الأمريكية تجاه زملائي الخمسة عشر الذين –مفترض- أني أشاركهم الثقافة و المستوى الاجتماعي و طريقة الحياة، و الذين سأقضي معهم أسبوعين خارج أرض الوطن في إحدى أولى رحلاتي إلى بلاد الفرنجة. فكرة منفرة، قضاء أسبوعين مع هؤلاء، فتيان و فتيات Gucci الذين لا يرتدون من الملابس و الأحذية و الperfume إلا الماركات العالمية الغالية الثمن و لا يتحدثون سوى عن عودتهم الأسبوع الماضي من لندن و باريس و بارشلونا و عن آخر الحفلات أو ال raves التي حضروها و الشواطئ الجديدة التي افتتحت في مارينا. كنت أكره حديثهم مع استطاعتي المشاركة فيه بقصص مماثلة ( و لوني عمري ما شفت لندن و لا باريس ولا حاجة نظيفة كدة خالص) و بلهجة إنجليزية أفضل، أمريكية تماما لا يوجد فيها شوائب العربية التي وجدت في لكناتهم و كنت استطيع أن أقابل their westernization بفهم أصيل أعمق للثقافة الأمريكية و الغربية، و تفتحهم بليبرالية حقيقية و ليس تفتحهم الزائف الذي هو من سمات الطبقات الأرستقراطية التي ينتمون إليها و لا أنتمي إليها. هل هذا الذي كان يضايقني؟ العقدة القديمة؟زينب و الأغنياء؟
لا أقصد إنني لا أحب هؤلاء الطلاب، فهم لطاف و مرحين، مقبلين على الحياة، ليسوا بنسخ من بعضهم بل فيهم تباين كثير و منهم المثير للاهتمام و منهم كثير من المثقفين المهتمين بالأمور العامة ال la crème de la crème المجتمع المصري. فلم تكن مشكلتي أبدا إنني لا أفهمهم أو لا أشاركهم الكثير من السمات، بل كانت تكمن في معرفتي أنهم لا يستطيعون أبدا أن يفهموني. قلت لنفسي أن هذا شيء غير منطقي و لا يهم.قالت لي نفسي طز.
إذا رآني أحدهم مثلا أتجادل مع سائق التاكسي العجوز و أرد ببرود على أسئلته السخيفة و أتهكم حين تكون الموسيقى المصاحبة لرحلتي هي شتائمه للسائقين و لعنه للحياة الذي لا يتوقف، سيتهمني بعدم التفاهم و التعالي ، و الذي لا يعرفونه و لن يتوقعونه أبدا، أن هذا مستحيل لأن العلاقة التي تربطني بالسائق ليست كالعلاقة المتوترة التي تغطي توترها و غربتها بتركيز شديد في خلق علاقة طبيعية و تصميم على التفاهم و التعاطف الذي ما هو إلا نتيجة لتعالي فكري و طبقي لا أشاركهم فيه، ببساطة لإن جزء كبير منني يشارك ذلك السائق في هويته الطبقية، فجدي لأمي الحاصلة على دوكتوراه الهندسة و الذي سكنت بمنزله في عين الصيرة الشعبية سنين من حياتي، كان سائق لوريهات و تاكسيات ضمن أشياء أخرى، لم يكمل تعليمه الثانوي. المهم أن علاقتي بهذا السائق تتصف بالتفاهم و ليس الاحترام المصطنع، و الخجل الذي يؤدي إلى علاقة طبقية و ليست إنسانية. و بسبب علاقتي به هذه – و التي لن تستمر سوى مسافة السكة- يمكنني محادثته بغضب و تهكم لأنه ند لي و ليس إنسان أقل مني أخاف أن أنتقص منه أكثر فأريه احترام زائف زائد عن حده يعكس كبرياء و أفكار مسبقة عن حياته الذين لم يفهموها يوما.
كانت جدتي لأبي الدكتور المحلل السياسي المعروف تعمل بالخياطة. لا أستطيع أن أخيط شيئا. لن أدخل في تفاصيل تأثير المسافة الشاسعة بين الحياة التي عاشها أمي و أبي و الحياة التي أعيشها و المسافة بين زينب الطالبة بالجامعة الأمريكية و التي تتحدث عن المانيكير و الباديكير بأهمية كأنه مسألة حية أو موت و لا تمانع أن تدفع فيه الكثير و الكثير و زينب التي تناقش جدتها في فلوس الخضار و الجمعية و تجلس في أعدة ستات أراويب تبدي برأيها عن أفعال هذه و زوج تلك على فهمى للنظام الطبقى في مصر (و اللي هو لا نظام ولا حاجة). و الوجهتين ليس لهم علاقة بزينب طالبة الفلسفة و السياسة و وجهات أخرى من حقيقة وجودها ليس لها نهاية ويستحيل إدراكها كاملة في آن واحد. لكن... لا أدري دائما عندي إحساس بالغ بحيواتى المختلفة، و أحيانا هذا ينتج عنه نفور من أحد أنماط الحياة، والحقيقة هي أنك كلما تشاركت في الهوية مع مجموعات أكثر، كما قال أميت معلوف، كلما أصبحت لا تشارك أحد الهوية، و كلما أصبحت مغتربا (فقط إن تركت الاغتراب يمتلكك) و ما هي إلا حياة واحدة.
لا أدري ما كنت أحاول أن أقوله في هذه التدوينة التي سأندم فور نشرها، و مرة ثانية سأشعر بالغباء، و ربما لم تتضح الأفكار كما أردت، لكن على أية حال....

17 Comments:
تدوينة جرئية و صريحة جداً
تعرية النفس امام الذات و أمام الاخرين تجعلنا اكثر ادراكاً لنفسنا و تمنحنا ثقة بعد ذلك في نفسنا
و تخلقنا من جديد
ببساطة زى ما قال الكنج مرة في واحدة من اغانية
أنا بتخلق من جديد
بتخلق من جديد .. يخلقنى تعذيبى
"وجوه أخرى من حقيقة وجودها ليس لها نهاية ويستحيل إدراكها كاملة في آن واحد"
يااه!
احسدك بشدة لقدرتك الغير عادية على التعبير عن نفسك و عن ما يجول بداخللك و عن قدرتك الهائلة فى التعبير عن أفكارك و أحسدك ايضاً كثيراً على صراحتك و غل التناغم الذى استشعره فى داخللك فهذه ليست مسألة سهلة بالمرة
مثير جدا الشيزوفرينيا التي يصنعها الاختلافي بين الوسط العائلي و الوسط التعليمي
اراهن ان نسبة محترمة من المدونين عندهم الموضوع دة
تعبيرك عن علاقتك بالطلاب المتأمركين وعلاقتك بالستات اللي بيتكلموا عن جوز ديه ومرات ده
وعلاقتك بسواق التاكسي الثرثار
كل ده عملتيه في نسيج متماسك اوي
وبسيط
اسمحيلي اكون من المترددين علي البلوج
وعلي فكرة انا شايف ان كل واحد من الناس اللي انتي حكيتي عنهم دول ليه سحره الخاص وتعاملك مع كل واحد فيهو ليه برضو سحر خاص
جميلة
اعجبتنى جداً
ـ"لأبي الدكتور المحلل السياسي المعروف"...
أثرتِ فضولي. أعرف "دكتور محلّل سياسي معروف" يعمل في عين الصيرة...
صُدفة غالباً
ـ
جدعه انك فضفضتي
R, i have a feeling you're talking about Dr. Ahmed Abdallah Roza? Well he's a close family friend but not related to me:)
جميلة يا زينب :)
على فكرة د. رزة صديق للعائلة برضه :)
انتى مستعجلة ليه بس ؟
يعنى حاسة أنك بتكتبى وانت مستعجلة
تدوينة حلوة
i thought your blog was cool and i think you may like this cool Website. now just Click Here
مضبوط.
د./ أحمد عبد الله.
هو صديق برضه وربنا يديله الصحة...
ـ
احسدك على فهمك فهمك وانسجامك مع الوضعين المتضادين,وصراحتك
تدوينه أكتر من رااااااااااااااااائعه
may be this is life as we all think, full of contradictions and smile, 2oslobek lazyz
Post a Comment
Links to this post:
Create a Link
<< Home